الغناء

تمهيد

في معركة جهاد النفس في ميدانها الظاهريّ تكون الأقاليم السبعة: العين والأذن واللسان والبطن والفرج واليد والرجل بين معسكري جنود الرحمن وجنود الشيطان، كلٌّ يحاول أن يجذبها إليه1.

ومن أدوات الجذب إلى معسكر الشيطان أداة لها دور أساس في إضعاف إرادة الإنسان ألا وهي الغناء الذي يجذب الأذن لتستمع إليه، واللسان ليتحرَّك به.

إنّه مسلك من مسالك الشيطان حرّي بنا أن نقف عنده في ضوء الشريعة المباركة.

معنى الغناء
الغناء، بالمعنى العام، مفهومٌ عند الناس، ولعلّه لأجل ذلك لم ترد نصوص واضحة في تحديد معناه الدقيق، وهو ما دعا بعض العلماء أن يكتفوا في تحديد الغناء بالمفهوم منه عُرفاً، فما أطلق عليه العرف الغناء، فهو حرام عندهم2.

إلا أنّ ثلة من الفقهاء اعتبروا أنّ مفهوم الغناء لا بدّ أن يخضع لأدوات الفقاهة الشرعيّة، فقاموا بدراسة مفهومه الشرعيّ وحدّدوه في ضوء ذلك، ومثال على ذلك التحديد ما ذكره الإمام الخامنئيّ دام ظله في كون الغناء المحرّم يتحقّق بوجود عناصر هي:

١- ترجيع الصوت، قال في أجوبة الإستفتاءات في تعريفه للغناء المحرَّم: “الصوت مع ترجيع…”3، أي ترديده في الحلق4، وهو ما يطلق عليه الترنّم5.

٢- كون الصوت مطربًا، والطرب هو “نشوة تصاحبها خفة لشدّة السرور”6. ألا يُلاحظ أنّ الناس الذين يستمعون الغناء يشعرون بخفّة في أجسادهم، وهو ما يدفعهم نحو الرقص والقفز وما شاكل.

٣- الكيفيّة المتناسبة مع مجالس اللهو والمعصيّة7. وهذه الكيفيّة تختلف من عصر إلى عصر، ومن مكان إلى مكان، وهناك العديد من الأمور التي تساهم في صناعة بيئة المعصية اللهويّة هذه، وقد تكون من بين هذه الأمور:
١- هوية المغنِّي كأن يكون من المطربين المعروفين.
٢- إيقاع اللحن.
٣- مضمون الكلام المصحوب بالألحان.
٤- طبيعة المكان الذي يقام فيه حفل الغناء.
٥- شكل اللباس الذي يرتديه المغني أو هو وفرقته على المسرح…الخ.

ومن خلال ما تقدّم يتّضح حكم الموسيقى التي حدّد الإمام الخامنئي دام ظله المحرّم منها بأنّها: “المطربة المتناسبة مع مجالس اللهو والمعصية”8.

حرمة الغناء في الأحاديث الشريفة
لم ترد كلمة الغناء نصًّا في القرآن الكريم، إلاّ أنّ الأحاديث الشريفة فسّرت العديد من الآيات به، وقد تمحورت عناوين تلك الآيات التي فُسِّرت بالغناء بالآتي:
١- لهو الحديث.
٢- اللغو.
٣- قول الزور.

– أمّا تفسير لهو الحديث بالغناء، فقد ورد فيه عن محمد بن مسلم عن الإمام الباقر عليه السلام: سمعته يقول: “الغناء ممّا وعد الله عليه النار”، وتلا هذه الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ9.

وعن الإمام الصادق عليه السلام: “الغناء مجلس لا ينظر الله إلى أهله، وهو مما قال الله عزّ وجلّ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ10.

– أمّا تفسير اللغو بالغناء، فقد ورد فيه أنّ الإمام الرضا عليه السلام أجاب من سأله عن حكم استماع الغناء: “أما سمعت الله عزّ وجلّ يقول: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامً11.

– أمّا تفسير قول الزور بالغناء فقد ورد فيه أن عبد الأعلى سأل الإمام الصادق عليه السلام عن قول الله عزّ وجلّ: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ، قال: “… قول الزور الغناء”12.

إضافة إلى تفسير تلك العناوين بالغناء ورد عدد من الأحاديث الشريفة الذامّة للغناء، الناهية عنه، منها:

1- عن الإمام الصادق عليه السلام: “شرُّ الأصوات الغناء”13.

2- عن الإمام علي عليه السلام: “وألذّ المسموعات الغناء والترنّم وهو إثم”14.

3- ورد أنّ رجلاً قال للإمام الصادق عليه السلام: “إنّ لي جيرانًا، ولهم جوارٍ يتغنين ويضربن بالعود، فربّما دخلت المخرج، فأطيل الجلوس استماعًا منّي لهنّ، فقال له الإمام عليه السلام: لا تفعل، فقال الرجل للإمام عليه السلام: والله ما هو شيء آتيه برجلي، إنّما هو سماع أسمعه بأذني، فقال عليه السلام: يا الله! أنت! أما سمعت الله عزّ وجلّ يقول: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُول؟ فقال الرجل: كأنّي لم أسمع بهذه الآية من كتاب الله عزّ وجلّ من عربيّ ولا عجمي، لا جرم أنّي قد تركتها، وإنّي أستغفر الله تعالى”15.

4- عن عبد الله بن أبي بكر، قال. قمت إلى متوضَّأ لي، فسمعت جارية لجارٍ لي تغنّي وتضرب، فبقيتُ ساعةً أسمع، قال: ثمّ خرجت، فلمّا أن كان الليل دخلتُ على أبي عبد الله عليه السلام، فحين استقبلني قال عليه السلام: “الغناء اجتنبوا، الغناء اجتنبوا، الغناء اجتنبوا، اجتنبوا قول الزور. قال: فما زال يقول: الغناء اجتنبوا، الغناء اجتنبوا، قال: فضاق بي المجلس، وعلمت أنّه يعنيني، فلمّا خرجت قلت لمولاه معتب: والله ما عنى غيري”16.

آثار الغناء

١- إضعاف الإرادة
للغناء ارتباط قويّ بإرادة الإنسان التي هي أساس في حقيقة الإنسانيّة، قال الإمام الخمينيّ قدس سره: “أيُّها العزيز… اجتهد لتصبح ذا عزم وإرادة، فإنّك إذا رحلت من هذه الدنيا دون أن يتحقّق فيك العزم (على ترك المحرّمات) فأنت إنسان صوري بلا لبّ، ولن تحشر في ذلك العالم (عالم الآخرة) على هيئة إنسان، لأنّ ذلك العالم هو محلّ كشف الباطن وظهور السريرة، وإنّ التجرّؤ على المعاصي يفقد الإنسان تدريجًا العزم، ويختطف منه هذا الجوهر الشريف”17.

بعد كلامه هذا يحدِّد الإمام الخمينيّ قدس سره سببًا أساسيًا يعتبر على رأس قائمة الأسباب التي تضعف إرادة الإنسان ألا وهو الغناء، ناقلاً ذلك عن أستاذه الشاه آبادي قدس سره.

قال قدس سره: “يقول الأستاذ المعظَّم دام ظله: (إنّ أكثر ما يسبّب على فقد الإنسان العزم والإرادة هو الاستماع للغناء)”18.

ولعلّ هذا العالم الكبير قد استفاد هذا من بعض الروايات التي ربطت بين الغناء والنفاق.

فعن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: “الغناء يُنبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل”19.

وعن الإمام الصادق عليه السلام: “الغناء عشُّ النفاق”20.

ومن الواضح أنّ النفاق له مراتب تبدأ بالعقيدة، وتستمرّ بالعمل، ومن موارد ذلك حينما يقوم الإنسان ببعض الأعمال مع عدم وجود إرادة داخلية قويَّة تدفعه نحو تلك الأعمال بنفسها، بغضّ النَّظر عن الناس ونظرتهم، فيقوم بها ملاحِظًا نظرة الناس أكثر ممّا هو مريد لها بإرادة مستقلّة جادّة، فيدخل لهذا السبب في مرتبة من النفاق.

والروايات تفيد أن من الأسباب التي تولِّد هذا النفاق، بالشرح السابق، تضعف إرادة الإنسان، هو الغناء، فهو، بحسب الرواية الأولى، “يُنبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل”، وهذا يشير إلى الإنماء البطيء الذي قد لا يشعر به الإنسان كما أنّ الرواية الثانية: “الغناء عشّ النفاق” تشير إلى أنّ الغناء يمثّل البيئة المساهمة في النفاق وضعف إرادة الإنسان، كما يساهم العشّ في نموّ الطير داخل البيضة.

٢- تقسية القلب
ورد في الحديث عن النبيّ الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم: “ثلاثة يقسِّين القلب: استماع اللهو، وطلب الصيد، وإتيان باب السلطان”21.

المراد من إتيان باب السلطان إتيانه بخضوع له، والمراد من طلب الصيد هو اللهوي لا بقصد الانتفاع من ما اصطاده، والمراد من استماع اللهو الغناء.

وقسوة القلب سبب للابتعاد عن الله تعالى والتوجّه إليه، وبالتالي تعريض الإنسان نفسه للحرمان من الرحمة الإلهيّة. فالمغني والمستمع للغناء يستخدم نعمة الله تعالى في عكس مسار تكامله، فبدل أن يستثمر صوته في تلاوة القرآن أو الدعاء، أو في مجالس العزاء، أو الأناشيد الهادفة، فإنّه يتسافل بصوته نحو الانحدار المعنويّ، في حين أن الكون يسير نحو التكامل.

من جميل ما ورد في وعظ المغنِّي الحديث الوارد عن أبي عبد الله عليه السلام: “ألا يستحي أحدكم أن يغني على دابّته وهي تسبِّح”22.

وهكذا الحال مع المستمع، فبدل أن يستفيد من أذنه في استماع آيات الله وما يفيده، فإنّ البعض يتسافل باستماع الغناء لينحدر بذلك إلى وادي العصيان.

٣- التوريط في الزنا
ورد عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: “الغناء رقية23 الزنا”24، وهو يدلّ على أنّ بيئة الغناء التي تضعف إرادة الإنسان قد تورّطه في خرق حدود الله في العلاقة بين الجنسين، وهذا أمر معروف لدى الناس في مجالس الغناء الصاخبة التي يختلط فيها الجنسان.

٤- جلب الفقر
وروى الإمام الصادق عليه السلام: “الغناء يورث النفاق، ويعقِّب الفقر”25.

وتعقيب الغناء للفقر قد يكون من خلال الشعور النفسي بالحاجة وعدم الغنى، وهو ما يسبّب الاكتئاب لدى الإنسان.

* لا تقربوا، سماحة الشيخ أكرم بركات، نشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.


1- راجع في معرفة تفصيل ذلك كتابنا: برنامج السير والسلوك.
2- أنظر: الجبعي، علي، مسالك الأفهام، تحقيق ونشر مؤسسة المعارف الإسلامية، قم، ١٤١٣هـ، ج١٤، ص ١٨٠/ الأردبيلي، أحمد، زبدة البيان، تحقيق محمد باقر البهبودي، لا،ط-، طهران، المكتبة المرتضوية، لا،ت-، ص ٤١٣.
3- الخامنئيّ،علي، أجوبة الاستفتاءات، ج٢، ص ٢٧.
4- الطريحي، فخر الدين، مجمع البحرين، ط٢، لا،م-، مرتضوي، ١٣٦٢هـ.ش، ج٤، ص ٣٣٤.
5- المصدر السابق، ج٦، ص ٧٦.
6- مركز المعجم الفقهيّ، المصطلحات، لا،ط-، لا،م-، لا،ن-، لا،ت-، ص ١٦٣٤.
7- الخامنئي، علي، أجوبة الاستفتاءات، ج٢، ص ٢٧.
8- الخامنئي، علي، أجوبة الاستفتاءات، ج٢، ص ٢٢.
9- الجبعي، علي، مسالك الأفهام، ج١٤، ص ١٨٠
10- الكليني، محمد، الكافي، ج٦، ص ٤٣٣.
11- الصدوق، محمد، عيون أخبار الرضا، ج٢، ص ١٣٥.
12- الحر العاملي، محمد حسن، هداية الأمة إلى أحكام الأئمة، ج٦، ص ٣٤.
13- الصدوق، محمد، المقنع، تحقيق ونشر مؤسسة الإمام الهادي عليه السلام، لا،ط-، لا،م-، ١٤١٥هـ، ص ٤٥٦.
14- القمي، محمد، العقد النضيد والدر الفريد، تحقيق علي أوسط الناطقي، ط١، قم، دار الحديث، ١٤٢٣هـ، ص ٤٥.
15- الطوسي، محمد، تهذيب الأحكام، تحقيق حسن الموسوي الخرسان، ط٣، طهران، دار الكتب الإسلامية، ١٣٦٤هـ. ش، ج١، ص ١١٦.
16- الطوسي، محمد، الأمالي، ص ٧٢٠-٧٢١.
17- الخمينيّ، روح الله، الأربعون حديثاً، ص ٣٥.
18- المرجع السابق نفسه.
19- البروجردي، حسين، جامع أحاديث الشيعة، ج١٧.
20- الكليني، محمد، الكافي، ج٦، ص ٤٣١.
21- الصدوق، محمد، الخصال، ص ١٢٦.
22- المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج٦١، ص ٢٠٥.
23- أي موصل إلى الزنا.
24- المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج١٦، ص ٢٩٧.
25- البروجردي، حسين، جامع أحاديث الشيعة، ج١٧، ص ١٨٨.