لماذا امتنع الحسين(عليه السلام) عن إعطاء البيعة ليزيد؟

يقول تعالى: {إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجراً عظيما }[1].

البيعة لغة من البيع ضد الشراء، وفي الاصطلاح العرفي اعطاء المحكومين ثقتهم للحاكم وانتخابهم له وقبولهم به حاكماً وأميراً.

وفي الشرع ومنطوق الآية الكريمة عبارة عن معاهدة وميثاق مع الله تعالى يوقعها المسلم بواسطة النبي (صلى الله عليه وآله) أو نائبه الشرعي. معاهدة وعقد وميثاق على الطاعة والانقياد والعبودية الكاملة في كل مايأمر به وينهي عنه على لسان أنبيائه وحججه. ومرجع هذا المعنى إلى المعنى اللغوي السابق أي البيع ضد الشراء فالبيعة تعني بيع الانسان نفسه لله تعالى على حد قوله سبحانه {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة… }[2]، فالمبايع للنبي (صلى الله عليه وآله) أو نائبه يعني سلم نفسه وارادته بيد المبايع له مقابل قيام الأخير باداء واجبه تجاهه من تبليغ وإرشاد وتنظيم على أكمل وجه وكل اخلال أو تقصير بلوازم هذه البيعة وهذا الميثاق من الطرفين يعد خيانة لله تعالى كما أن تنفيذ مقرراتها والالتزام بشروطها يؤتى الأجر العظيم في الدنيا والآخرة.

وعليه فيجب على المبايع أن لا يمد يد البيعة إلا بعد التحقق والتأكد حتى يعرف إلى من يمد يده ومن من يبيع نفسه ولمن يسلم مقدراته ومقدرات أمته ومجتمعه، لله تعالى أم للشيطان، للحق أم للباطل، للعدل أم للجور، للوفاء والصدق أم للخيانة والكذب، إن البيعة في عصرنا الحاضر عبارة عن الانتخاب أو قريبة منه فكل صوت يعطى للمرشح للرئاسة أو النيابة هو بمثابة البيعة معه فإذا كان المرشح شيطانا من شياطين الانس يكون مثله مثل شيطان الجن ابليس، ان قال للانسان اكفر فلما كفر قال اني بريء منك.

والخلاصة: إن البيعة في الدنيا على قسمين بيعة حق وهداية، أو بيعة باطل وضلال لأن هناك شروطاً وصفات يجب أن تتوفر في المبايع له حتى تكون البيعة بيعة حق وهداية وقد لخص تلك الشروط والصفات الإمام علي (عليه السلام) في خطبة له من نهج البلاغة فقال: “ولقد علمتم أنه لا ينبغي أن يكون على الفروج والدماء والمغانم والأحكام وإمامة المسلمين: البخيل فيكون في أموالهم نهمته[3] ولا الجاهل فيضلهم بجهله ولا الجافي فيقطعهم بجفائه ولا الحائف[4] للدول فيتخذ قوماً دون قوم، ولا المرتشي في الحكم فيذهب بالحقوق، ولا المعطل للسنة فيهلك الأمة”[5]. وعلى ضوء كل ماذكر يظهر جليا الجواب الكافي عن السؤال القائل لماذا لم يبايع الحسين(عليه السلام) يزيد بن معاوية..؟

وحاصل الجواب هو أن يزيد لم يكن أهلا لأن يبايع من قبل أي مسلم كان فضلا عن الحسين (عليه السلام) المسلم الأول في عصره وسيد شباب أهل الجنة. بل إن يزيد لم يكن مسلما بالمرة فكيف يبايع بإمرة المؤمنين وخليفة على المسلمين! فإن كفر يزيد وزندقته وإلحاده واستهتاره بكل القيم والمقدسات أشهر من الشمس في رابعة النهار ولقد أجمع المؤرخون وأهل السيرة على أن يزيد بن معاوية كان فاسقا فاجرا خمارا سكيرا يضرب بالطنبور ويلعب بالفهود والقرود، فرضه أبوه معاوية خليفة على المسلمين بقوة السيف مع علمه بفساده حيث كان يقول لولا هواي في يزيد لأبصرت رشدي.

* المصدر: مأساة الحسين(عليه السلام) بين السائل والمجيب – بتصرف يسير

[1] سورة الفتح، الآية 10.
[2] سورة التوبة، الآية 111.
[3] “نهمته”: أي حرصه وجشعه على أموال رعيته.
[4] “ولا الحائف” بالحاء المهملة: من الحيف وهو الظلم والجور.
[5] بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج 34 ص 112

الوسوم

مقالات ذات صلة