الكسب الحلال وكيفية استهلاكه

رُوي أنّ رجلاً قال لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “يا رسول الله، أُحبّ أن يُستجاب دعائي. فقال صلى الله عليه وآله وسلم: “طَهِّر مَأكَلتَكَ ولا تُدخِل بَطنَكَ الحرامَ”1.

الحرص على الكسب الحلال
من الأمور الأساسية في حُسن تدبير المعيشة هو الكسب الحلال، والدّخل الحلال.

والدّخل عبارة عن الإيراد الصافي أو الربح أو الأجر الذي يحصل عليه الفرد الواحد لقاء وظيفته أو إنتاجه أو تجارته. وقد حُدّدت مصادر الدخل في حديث مروي عن الإمام عليّ عليه السلام في خمسة محاور، حيث قال عليه السلام: “مَعايشَ الخلقِ خمسَةٌ، الإمارَةُ والعِمارةُ والتِّجارَةُ والإجارَةُ والصَّدَقاتُ”2. أمّا مقدار دخل الإنسان فإنّه يختلف في كلّ زمانٍ ومكانٍ، فالاقتصاد الإسلاميّ لم يُعيّن معدّلاً محدّداً له، لكنَّه أوجب أن يكون مصدره حلالاً.

لذا قُسّم الدّخل من حيث مصادر كسبه المختلفة إلى نوعين: دخلٌ حلالٌ، ودخلٌ حرامٌ.

وأكّدت الروايات الشريفة على ضرورة السعي في كسب لقمة العيش بطُرُقٍ مشروعةٍ، نذكر منها ما يلي: روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “العِبادَةُ سَبعونَ جُزءاً، أفضلُها طَلَبُ الحلالِ”3.

وعنه صلى الله عليه وآله وسلم – أيضاً -: “طُوبَى لِمَن اكتَسَبَ مِن المؤمِنينَ مالاً مِن غَيرِ مَعصِيَةٍ”4.

لأنّ طهارة المال لها تأثيرٌ كبيرٌ على نقاوة القلب واستجابة الدعاء. رُوي أنّ رجلاً قال لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا رسول الله، أُحبّ أن يُستجاب دعائي. فقال صلى الله عليه وآله وسلم: “طَهِّر مَأكَلتَكَ ولا تُدخِل بَطنَكَ الحرامَ”5.

آثار الكسب الحلال
للمال الحلال آثار وبركاتٌ كثيرةٌ ينعَم بها الإنسان، ذُكِرَت في الروايات الواردة عن أهل البيت عليهم السلام، ونشير في ما يلي إلى بعضها:

1- ينوّر الله تعالى به قلب الإنسان: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “مَن أكَلَ الحلالَ أربعينَ يوماً، نَوَّرَ اللهُ قلبَهُ”6.

2- يُعين الإنسان على عبور الصراط بيسرٍ: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “مَن أكَلَ مِن كَدِّ يدِهِ، مَرَّ عَلَى الصِّراطِ كالبَرقِ الخاطِفِ”7.

3- ينال الإنسان به ثواب المجاهد في سبيل الله تعالى: قال الإمام موسى الكاظم عليه السلام: “مَن طَلَبَ هذا الرِّزقَ مِن حِلَّهِ، ليعُودَ بِهِ عَلَى نفسِهِ وعيالِهِ، كانَ كالمجاهِدِ فِي سَبيلِ اللهِ”8.

4- ينال الإنسان به رحمة الله الواسعة: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “مَن أكَلَ مِن كَدِّ يَدِهِ، نَظَرَ اللهُ إليهِ بالرَّحمةِ، ثُمَّ لا يُعَذِّبهُ أبَداً”9.

5- ينال الإنسان به ثواب الأنبياء عليهم السلام: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “مَن أكَلَ مِن كَدِّهِ، يكونُ يَومَ القيامةِ فِي عِدادِ الأنبياءِ، ويأخُذُ ثوابَ الأنبياءِ”10.

6- يفتح الله تعالى للإنسان بسببه أبواب الجنّة: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “مَن أكَلَ مِن كَدِّ يَدِهِ حلال، فُتِحَ لَهُ أبوابُ الجنَّةِ، يدخُلُ مِن أيِّها شاءَ”11.

إيّاك والكسب الحرام
نهى القرآن الكريم عن اتّباع الطرق غير المشروعة في الكسب نهياً شديد، مثل أكل المال بالباطل، والرّبا، والظلم، والفساد. أمّا الأحاديث والروايات، فإنّها عدّت هذه الطرق من الكبائر، بل شبّهت بعضه، مثل: الاحتكار، والخيانة، والرّبا، بأقبح الذنوب، كالقتل، لأنّ هذه الأعمال تشلّ النشاط الاقتصاديّ للإنسان، وتسوقه إلى الهلاك التدريجيّ12. وللإمام عليّ بن موسى الرضا عليه السلام كلامٌ طويلٌ ذكر فيه ما حرّم الله تعالى، منه: “واجتنابُ الكبائرِ، وهي قَتلُ النَّفسِ التي حرَّمَ اللهُ تعالى، وأكلُالرِّبا بَعدَ البيِّنَةِ، والبَخسُ فِي المكيالِ والميزانِ، والإسرافُ، والتَّبذيرُ، والخيانَةُ”13.

فأكل الحرام سببٌ لتضييع الأعمال وعدم قبولها14، وهو يحول دون استجابة الدعاء15، ويوجب لعنة الملائكة16، وضَعف تديّن المرء . وخطاب الإمام الحسين عليه السلام يوم عاشوراء الذي وجّهه إلى عسكر عمر بن سعد، خير دليلٍ على هذه الحقيقة، حيث قال عليه السلام: “فَقَدْ مُلِئتْ بُطونُكُم مِن الحرامِ، وطُبِعَ عَلَى قُلُوبِكُم، وَيْلَكُم ألا تنصتُونَ؟! ألا تسمعُونَ؟!”17.

كيف نستهلك المال؟
الاستهلاك عبارة عن تسخير المصادر المُتاحة كالدخل الفردي أو المال الموروث وغيره، بهدف تحقيق متطلّبات الحياة الراهنة والمستقبليّة18.

إنّ أُسس الاستهلاك الأمثل في النظريّة الإسلاميّة هي وجوب اجتناب الإسراف19 والتبذير، واجتناب التقتير والبخل، أي الاعتدال في الإنفاق، والادخار. وسوف نفصِّل الكلام فيها وفق الشكل الآتي:

1- تجنّب الإسراف:
السّرف هو تجاوز الحدّ في كلّ فعلٍ يفعله الإنسان20 فالله تعالى عدّه من السُّنَن الفرعونيّة: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ21، وتوعّد المسرفين بعذابٍ أليمٍ: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ22.

المراد من الإسراف في الاستهلاك تجاوز الحدّ في الإنفاق، أي أنّ الإنسان يتجاوز المستوى المتعارف في إنفاق المال، فينفق أكثر من حاجته، ويسرف في ذلك. فعلى سبيل المثال: شخص لا يتقاضى في اليوم أكثر من دولارين، لكنّه يشتري لنفسه ولأسرته ثياباً بمئات الدولارات.

وقد تطرّق الإمام جعفر الصادق عليه السلام لهذا الأمر، حين قال: “ربّ فقير هو أسرف من الغني، إنّ الغني ينفق ممّا أوتي، والفقير ينفق من غير ما أوتي”23.

وهذه الرواية تشير إلى بعض الموارد النادرة التي لا يتّبع فيها الفقير برنامجاً صحيحاً في معيشته، وذلك حينما ينفق ما يكسبه من مالٍ يسيرٍ في مسائل لا تتناسب مع وضعه الماديّ، وبالتالي يُهدرِ دخله، بسبب إسرافه. وبالتأكيد، فإنّ هذا الفعل بالنسبة للأثرياء قد لا يكون إسراف، إذ أنّ إسرافهم يتحقّق عبر إنفاقهم الأموال في أمورٍ أشدّ فداحة ممّا فعله هذا الفقير.

ومن هنا، يتّضح أنّ معيار حقيقة الإسراف نسبيّ، حيث تكون بعض مصاديق الإنفاق الصادرة من بعض الأفراد مؤدّية إلى الوقوع في الإسراف، ولكنّها ليست كذلك بالنسبة للبعض الآخر.

ويُعدّ الإسراف في استهلاك الموارد الطبيعيّة تعدّياً على حقوق الآخرين، وإهداراً للثروة العامّة ونتيجة هذا الإهدار هي البعد عن رحمة الله تعالى ورضوانه.

ومن النتائج السيّئة الأخرى للإسراف والتبذير، ابتلاء الفرد والمجتمع بالفقر والحرمان. فالمُسرِف الذي لا يُحسن التدبير في معيشته، قد يُبتلى بالفقر، بسبب إسرافه، وبالتالي لا يتمكّن من تأمين متطلّبات معيشته. وكذلك، فإنّ عدداً من المسرفين قد يؤثّرون سلبيّاً على المجتمع برمّته إثر إسرافهم وإهدارهم الثروة العامّة، أي أنّهم يحرمون الآخرين من استثمار هذه الثروة، ليكون سوء تصرّفهم موجباً لحرمان المجتمع، ورواج الفقر فيه. يقول الإمام جعفر الصادق عليه السلام في هذا الصدد: “إنَّ السّرفَيُورِثُ الفَقرَ، وَإنَّ القَصدَ يُورِثُ الغِنَى”24.

نهى تعالى عن البخل والإسراف، وأوصى الناس باتّباع الوسطيّة في الإنفاق: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامً25.

فالحدّ المعقول من استثمار نِعَم الله تعالى والمقرّر حسب تعاليم ديننا الحنيف، هو ما كان مطابقاً للاعتدال والوسطيّة. فالإنفاق المعتدل، يعني: خلوّه من الإسراف والتقتير في آنٍ واحدٍ، وقد عبّرت عنه الأحاديث بـ “القصد” أو “الاقتصاد”. والإمام عليّ بن الحسين عليه السلام يطلب من الله تعالى أن يكرمه بهذه النعمة بدعائه: “وَاحجُبنِي عَن السّرفِ وَالازدِيادِ، وَقَوّمنِي بالبَذلِ وَالاقتِصادِ”26.

2- تحديد الأولويّة في إنفاق الأموال:
لا ريب في أنّ الدخل المحدود، والإمكانيّات القليلة، وغلاء الأسعار، أمورٌ تحول دون قدرة الإنسان على تلبية جميع متطلّبات حياته.

لذا، فإنّ حسن التدبير في المعيشة يقتضي تسخير الأموال لتوفير المتطلّبات الضروريّة والأوليَّة، أمّا الأمور الثانويّة، التي لا ضرورة لها، فهي في الدرجة الثانية في سُلّم الترتيب، وإن لم يلتزم بهذا الأمر سوف يضطرّ الشخص إلى الاقتراض، فيسبّب ضغوطاً تُنهكه وتُنهك أسرته.

فلا بدّ من التصرّف بوعيٍ، وكسب المعلوماتٍ اللازمةٍ، في كيفيّة تسخير الأموال لموردٍ ما، وإنفاقها فيه. كما يتوجّب عليه كسب معلوماتٍ بخصوص أسعار البضائع والخدمات التي تقدّم في مختلف الأماكن، بغية اتّخاذ القرار المناسب.

3- تدوين النفقات:
تُعدّ عمليّة تدوين النّفقات من الأمور الهامّة، لأنّها تُمكّن الإنسان من معرفة مقدار ما يحتاج إليه من أموالٍ في حياته، إذ يسعى من خلالها إلى رفع مستوى دخله.

وهناك مرحلة هامّةٌ في موضوع تدوين النفقات، تتمثّل عند نهاية كلّ دورةٍ يتمّ تدوينها، حيث، لا بدّ من الاطّلاع على مقدار النفقات، وتقويم مدى صحّة الإنفاق أو عدمه، فإذا كان الدّخل والإنفاق متوازنين، فهذا يدلّ على أنّ الخطط الاقتصاديّة صحيحةٌ، ولكن، إذا كان الدخل والإنفاق غير متوازنين، أي كان الإنفاق أكثر من الدخل، يجب حينها تشخيص أسباب عدم الاتّزان، ومعرفة هل إنّه ناشئٌ من التضخّم والغلاء، أم من البذخ في الضيافة، أم من النّفقات غير الضروريّة.

وبعد معرفة هذه الأسباب، يتوجّب على المدبّر التخطيط للمرحلة القادمة، واجتناب الأخطاء التي حصلت، لكي يتسنّى له إيجاد توازنٍ بين مقدار الدخل والإنفاق، وبالتالي، تحقيق تناسقٍ مطلوبٍ بين أمور المعيشة ومقدار نفقاتها.

وقد عُبّر عن التدوين في الأحاديث الشريفة، بالتقدير والتدبير، حيث روي عن الإمام الصادق عليه السلام: “التَّقدِيرُ نِصفُ العيشِ”27.

كما روي عن الإمام عليّ عليه السلام: “قِوامُ العيشِ حُسنُ التَّقدِيرِ، ومِلاكُهُ حُسنُ التَّدبيرِ”28.

4- وجوب الرضا والقناعة:
“القَناعة بالفتح: الرِّضا بالقِسْمِ”29. وفي اللغة تعني “الرضا باليسير من العطاء“30. قال الإمام عليّ عليه السلام: “طَلَبت الغِنَى، فَما وجدت إلا بالقَناعةِ، عَلَيكُم بالقَناعَةِ تَستَغنُوا”31.

وقال الإمام جعفر الصادق عليه السلام: “الغِنَى فِي القَناعَةِ، وَهُم يَطلبُونَهُ فِي كَثرَةِ المالِ فَلا يَجِدُونَهُ”32.

وسبيل كسب القناعة والرضا بما قسمه الله تعالى، عيّنه لنا الإمام الصادق عليه السلام في قوله: “انظُر إلى مَن هُو دُونكَ فِي المقدِرةِ، ولا تَنظُر إلى مَن هُو فَوقكَ فِي المقدِرةِ، فإنَّ ذلِكَ أقنَع لَكَ بِما قُسِمَ لَكَ“33.

من المفروض على كلّ مسلمٍ أن يُبرمج حياته الفرديّة والاجتماعيّة طبق أصول دينه ومبادئه، ويؤدّي أعماله وفق ذلك. كما أنّ الله تعالى منح الإنسانَ الحقَّ ببذل أمواله في ما يحتاج إليه، واستثمار نِعم الطبيعة، ففي الوقت ذاته كلّفه بواجباتٍ في هذا المضمار، وألزمه بأداء حقوق الآخرين، كالخمس، والزكاة، والحقّ المعلوم. والإذعان لهذا التكليف – بالتأكيد – من شأنه تقليص مستوى الفقر في المجتمع.

5- حُسن الادّخار:
لا يختلف اثنان في تأثير ادّخار الأموال على تماسك الأسرة والمجتمع ورقيّهما، وهذا الأمر طبعاً من أهمّ سياسات حُسن التدبير في المعيشة.

إذاً، لو سلك أعضاء الأسرة أو المجتمع نهج الإسراف والتبذير، فسوف لا يمكنهم ادّخار ما يلبّي متطلّباتهم عند الحاجة، حتّى وإن كان وليّ أمرهم مدبّراً وقانعاً. فإذا تمكّن الناس من ادّخار أموالهم وتسخيرها في النشاطات الإنتاجيّة، فسوف تتهيّأ الأرضيّة اللازمة للرقيّ الاقتصاديّ، وتتوافر فُرص العمل، ويرتفع المستوى المعيشيّ للناس. كما أنّ الادّخار بذاته يُعدّ سبباً للحيلولة دون الإسراف والتبذير. وكلّما زادت قدرة الناس على الادّخار، فسوف يبتعدون عن طبيعة الاستهلاك المُفرِط إلى حدٍّ كبيرٍ.

ومصادرنا الدينيّة حافلةٌ بنصوصٍ تؤكّد على أهمّيّة الادّخار، منها: ما قاله الإمام عليّ بن موسى الرضا عليه السلام: “إنَّ الإنسانَ إذا أدخل (ادّخر) طَعامَ سَنَةٍ، خَفَّ ظَهرُهُ وَاستَراحَ. وَكانَ أبو جَعفر وَأبو عَبدِ اللهِ عليهما السلام لا يَشتَريانِ عُقدَةً، حَتَّى يُحرِزا طَعامَ سَنَتِهِما”34.

والادّخار يكون حميد، لو كان الهدف منه حماية اقتصاد المجتمع، والحفاظ على تماسكه، لدرجة أنّ نبيّاً من أنبياء الله تعالى قد تولّى هذه المهمّة بنفسه.

فقصّة النبيّ يوسف عليه السلام في القرآن الكريم خير دليلٍ على أهمّيّة الادّخار، وذلك عندما فسّر رؤيا فرعون مصر في البقرات السبع العجاف بسنوات الجفاف، والجدب، ومن ثمّ اقترح عليه توفير القمح، لتجاوز هذه المحنة.

إنّ توفير الخدمات العامّة للمجتمع من شأنه المساعدة على ادّخار النعمة، وفي الوقت نفسه يُعدّ ذخراً معنويّاً للعبد في آخرته، كحفر بئرٍ، أو شقّ قناةٍ، لتأمين مياه الشرب والسَّقي للناس. ولهذا التوفير آثاره المعنويّة التي لا ينكرها أحدٌ. قال الإمام جعفر الصادق عليه السلام: “سِتُّ خِصالٍ يَنتَفِعُ بِها المؤمِنُ بَعدَ مَوتِهِ: وَلَدٌ صالِحٌ يَستَغفِرُ لَهُ، وَمُصحَفٌ يُقرَأ فِيهِ، وَقُلَيبٌ يَحفِرُهُ، وَغَرس يَغرِسُهُ، وَصَدَقَةُ ماءٍ يجرِيهِ، وَسُنَّةٌ حَسَنَةٌ يُؤخَذُ بِها بَعدَهُ”35.

أمّا إنْ كانت هذه الأهداف لا تنسجم مع حكم العقل والشرع، فسيكون الادّخار حينها مذموماً ومنهيّاً عنه، لأنّه يؤدّي إلى تسخير الثروة في غير رضا الربّ، ويحرم المجتمع والفقراء من منافعه.

فالإمام الصادق عليه السلام يُعلّمنا الأسلوب الصحيح في توفير المال، وذلك بادّخاره في عدّة أماكن، كاستثماره في عدّة مشاريع، فذلك أنسب وأحفظ له. فلو وقعت حادثةٌ، فإنّ المال لا يتلف كلّه، ويبقى منه شيءٌ، ولا يحتاج الإنسان إلى الآخرين حينها.

استثمار المال
إنّ استثمار الأموال يُعدّ أحد العوامل الأساسيّة في النموّ الاقتصاديّ، ويؤدّي إلى القضاء على الفقر والحرمان فالمال والثروة رصيدٌ للفرد والمجتمع على حدٍّ سواء. والخطابات القرآنيّة في هذا المجال جاءت بصيغة الجمع36، وذلك للدلالة على أهمّيّة الرصيد المالي وقوّاميّته في المجتمع.

من هنا تبرز أهمّيّة الاستثمار وتوظيف المال في جميع المجالات الاقتصاديّة التي تخدم المجتمع، كالزراعة، والصناعة، والتعدين، والخدمات العامّة، وما إلى ذلك من نشاطات.

فعن الإمام الصادق عليه السلام: “إنَّما أعطاكُمْ اللهُ هذهِ الفُضولَ مِن الأموالِ، لتُوجِّهوها حيثُ وَجّهَها اللهُ، ولَم يُعطِكُموه، لتكنِزُوها”37. وقد تطرّقت المصادر الإسلاميّة إلى هذا الأمر وشجّعت الناس عليه، تحت عناوين مختلفةٍ: إمّا بشكلٍ مباشرٍ، مثل: إصلاح المال، والعمران، والإحياء، وإمّا بشكلٍ غير مباشرٍ، مثل: منع ركود الثروة، وحرمة الإسراف والتبذير، وحرمة إتلاف المال، وترويج مبدأ القناعة، والاقتصاد في استهلاك الأموال38.

فهنالك آياتٌ كثيرةٌ في القرآن الكريم تطرّقت إلى نماذج عديدةٍ من استثمار الأموال في مختلف المشاريع، منها الآيتان 37 و38 من سورة هود، والآية 27 من سورة المؤمنين التي تشير إلى توفير بعض الأمور، من أجل صناعة سفينة نوح عليه السلام عن طريق الوحي. والآيتان 12 و13 من سورة سبأ تشيران إلى خطّة النبيّ سليمان عليه السلام الاستثماريّة في صناعة جدران، وتماثيل، وأواني طعام كبيرة، وقدور ثابتة. وكذلك الأمر في الآيتين 10 و11 من سورة سبأ، والآيات 26 إلى 28 من سورة القصص التي تذكر مشروع النبيّ داوود عليه السلام الاستثماريّ في صناعة الدروع الحربيّة، وكذلك تشير إلى الاتّفاقيّة التي عُقِدَت بين النبيّ شعيب عليه السلام والنبيّ موسى عليه السلام في استثمار خدمات الأخير39.

ويوجد الكثير من الروايات المباركة التي تناولت قضيّة استثمار الأموال:
فقد روى زرارة عن الإمام الصادق عليه السلام قوله: “ما يَخلُفُ الرّجُلُ بَعدَهُ شَيئاً أشَدَّ عَلَيهِ مِن المالِ الصّامِتِ”. قال زرارة: قلتُ له كيف يصنع به؟ قال عليه السلام: “يَجعَلهُ فِي الحائطِ والبُستانِ أو الدّارِ”40. وروى محمّد بن عذافر، عن أبيه، قال: أعطى أبو عبد الله عليه السلام أبي ألفاً وسبعمئة دينارٍ، فقال له: “اتَّجِر لِي بِها”. ثمّ قال عليه السلام: “أَما إنّهُ لَيسَ لِي رَغبَةٌ في رِبحِها، وإنْ كانَ الرّبحُ مَرغوباً فيهِ، ولكِنِّي أحبَبتُ أن يَراني اللهُ عزَّ وجلَّ مُتعرِّضاً لفَوائدِهِ”. قال: فربحتُ له فيه مائة دينارٍ، ثمّ لقيته، فقلتُ له: قد ربحتُ لك فيها مائة دينارٍ، ففرح أبو عبد الله عليه السلام بذلك فرحاً شديداً، وقال لي: “أَثبِتْها في رَأسِ مالِي”41.

– وقد أوصى الإمام جعفر الصادق عليه السلام أحد أصحابه أن يشتري مزرعةً أو بستان، لأنّ الذي يمتلك رصيداً مادّيّاً يؤمّن حاجاته وحاجات عياله، سوف لا يعاني كثيراً، ويرتاح باله، لو تعرّض إلى نائبةٍ أو حادثةٍ. فقد روى محمّد بن مرازم، عن أبيه: أنّ أبا عبد الله عليه السلام قال لمصادف مولاه: “اتّخِذْ عقدةً أو ضَيعةً، فإنّ الرّجلَ إذا نزَلت بهِ النّازِلةُ أو المصيبةُ، فذَكرَ أنّ وَراءَ ظهره ما يقيمُ عيالَهُ، كانَ أسخَى لنفسِهِ”42.

إضافةً إلى ما ذُكر، فإنّ جميع الروايات التي وردت في العقود التجاريّة، مثل: عقد المزارعة، والمساقاة، والمضاربة، والشراكة، والجعالة، والإجارة، وما شاكله، تجوّز استثمار الأموال، وتسخيره، خدمةً للفرد والمجتمع.

* كتاب هدى وبشرى، جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.


1- الحرّ العاملي، وسائل الشيعة، ج7، ص145.
2- الحرّ العاملي، وسائل الشيعة، ج19، ص35.
3- الشيخ الكليني، الكافي، ج5، ص78.
4- م.ن، ج8، ص169.
5- الحرّ العاملي، وسائل الشيعة، ج7، ص145.
6- الحلّي، عدّة الداعي ونجاح المساعي، ص 140.
7- الميرزا النوري، مستدرك الوسائل، ج13،ص23.
8- الشيخ الكليني، الكافي، ج5، ص 93.
9- الميرزا النوري، مستدرك الوسائل، ج13، ص 24.
10- م.ن، ج13، ص 24.
11- م.ن.
12- الحكيمي، المعايير الاقتصادية في السيرة الرضوية معيارهاى اقتصادى در تعاليم رضوى-، م.س، ص55.
13- ابن بابويه، محمد بن علي بن الحسين الصدوق-: عيون أخبار الرضا عليه السلام، لاط، طهران، منشورات الأعلميّ، لات، ج2، ص125.
14- قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “مَن أكَلَ حَراماً، لَم يَقبَلْ اللهُ مِنهُ صَرفاً ولا عَدلاً”. الحلّي، عدّة الداعي، م.س، ص140.
15- قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “مَن أحبَّ أن يُستجابَ دُعاؤهُ، فليُطَيِّب مَطعَمَهُ ومَكسَبَهُ”. الحلّي، عدّة الداعي، م.س، ص128.
16- قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “إذا وَقَعت اللُّقمَةُ مِن حرامٍ فِي جَوفِ العَبدِ، لَعَنَهُ كُلُّ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ والأرضِ”. العلّامة المجلسي، بحار الأنوار، ج63، ص314.
17- العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج45، ص 8.
18- محمّدي، حميد رضا ملك: على هاوية النزعة الاستهلاكيّة بر لبه برتكاه مصرف كرائي-، ط1، إيران، منشورات مركز وثائق الثورة الإسلاميّة، 1381هـ.ش، ص20.
19- سوف نتطرّق إلى بيان الفرق بين الإسراف والتبذير لاحقاً.
20- الأصفهاني، المفردات في غريب القرآن، مادة “سرف”.
21- سورة يونس، الآية 83.
22- سورة غافر، الآية 43.
23- الشيخ الكليني، الكافي، ج4، ص55.
24- الشيخ الكليني، الكافي، ج4، ص53.
25- سورة الفرقان، الآية 67.
26- الصحيفة السجاديّة، الدعاء30.
27- الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، ح5904، ص416.
28- الآمدي، غرر الحِكم ودرر الكلِم، ح6807.
29- لسان العرب، ابن منظور، ج8، ص298، مادّة “قنع”.
30- ابن الأثير، مجد الدين: النهاية في غريب الحديث والأثر، لاط، لام، منشورات المكتبة الإسلاميّة، لات، ج4، ص114.
31- العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج66، ص399.
32- الشيخ الصدوق، معاني الأخبار، ص230.
33- الشيخ الكليني، الكافي، ج8، ص244.
34- الشيخ الكليني، الكافي، ج5، ص89.
35- الشيخ الصدوق، الأمالي، ص233.
36- وردت في القرآن الكريم عبارات عديدة بصيغة الجمع في هذا المجال، مثل: ﴿خَلَقَ لَكُم ﴿جَعَلَ لَكُمُ ﴿لِلنَّاسِ ﴿رِزْقاً لَّكُمْ
37- الشيخ الكليني، الكافي، ج4، ص32.
38- الحسينيّ، رضا: نمط توزيع الدخل وسلوك المستهلك المسلم اُلكوي تخصيص درامد ورفتار مصرف كننده مسلمان-، ط1، لام، منشورات مركز الثقافة والفكر الإسلاميّ، 1379هـ.ش، ص159.
39- لمعرفة المزيد عن الخطط الاستثماريّة التي وردت في القرآن الكريم، انظر: رجائي، وآخرون، معجم موضوعى آيات اقتصادى قرآن باللغة الفارسية-، م.س، ص104-110.
40- الشيخ الكليني، الكافي، ج5، ص91.
41- م.ن، ص 76.
42- م.ن، ص 92.

الوسوم

مقالات ذات صلة