البعثة النبوية منهج حياة من أجل سلام البشرية ورفاهها

البعثة دين وحياة

بعثة النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) كانت دعوة للتوحيد قبل كل شيء. والتوحيد هذا ليس مجرد نظرية فلسفية أو فكرية، إنما هو منهج حياة للبشرية. إنه يعني تحقيق حاكمية الله على حياة الإنسان وقطع أيدي القوى المختلفة عنها. وكلمة «لا إله إلا الله» التي تمثل الرسالة الأصلية لرسولنا ولجميع الرسل، تعني أنه يجب عدم تدخل القوى الطاغوتية والشيطانية في حياة الإنسان ومسيرته واختيار أساليب حياته لكيلا تتقاذف الحياةَ الإنسانية بأهوائها وميولها ونـزعاتها.

فإن تحقق التوحيد في حياة المجتمع الإسلامي والإنساني بمعناه الحقيقي الذي أراده الإسلام ـ والذي حمل رسالته جميع الأنبياء ـ فستبلغ البشرية السعادة الحقيقية والفلاح الدنيوي والأخروي..

إنّ الدنيا في الرؤية الإسلامية مقدمة ومعبر لعالم الآخرة. فإن الإسلام لا ينفي الدنيا ولا يرفض اللذائذ الدنيوية، ويدعو الإنسان بكل مواهبه وغرائزه أن يكون نشيطاً في ساحة الحياة، ولكن لابد وأن تصب هذه الأمور بأجمعها في خدمة التكامل الإنساني وسموّ الروح والبهجة المعنوية،.ومثل هذه الدنيا ستكون عارية عن الظلم والجهل والسبعية. (1)

ولكن لو أردنا أن نفسّر البعثة ومضمونها اللامتناهي تفسيراً مجملاً وفي جملة واحدة، علينا القول بأن: البعثة إنما هي من أجل الإنسان :مصير الإنسان وهداية الإنسان.(2)

البعثة في مواجهة الجاهليّة
يجب علينا نحن المسلمون أن نعرف قدر يوم المبعث، وأن نفكر في هذه الظاهرة، وأن نستلهم منها الدروس، وأن نصنع من هذا الماضي المتألق نبراساً ينير الدرب المستقبلي الصعب الماثل أمامنا.(3)

من هذا الكمّ الهائل لدروس البعثة ، هو أنّ البعثة جاءت لمواجهة الجاهليّة. والجاهليّة في النصوص والثقافة الإسلاميّة هي الحقبة التي سبقت بزوغ نبوّة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله). ولا يُتصوّرنّ أنّ الجاهليّة كانت مختصّة بالجزيرة العربيّة وبالعرب في مكة والحجاز وسائر البقاع، بل كانت عامة وشاملة. فإنّ إيران في ذلك اليوم والإمبراطورية الرومانية آنذاك كانتا غارقتين في غياهب الجاهليّة. وقد ظهر الإسلام وجاءت البعثة لتواجه هذه الجاهليّة برمّتها. كما وأنّ معنى الجاهليّة لا يتلخّص في فقدان العلم، بل يفوق معناها ذلك بكثير [كما جاء] في التعابير والأدبيّات الإسلاميّة. وإنّ فقدان العلم يشكّل جزءًا من الجاهليّة؛ أما الجاهليّة بمعناها الواسع، فهي عبارة عن غلبة القوى الشهوية والغضبية الإنسانية وحاكميّتها على بيئة الحياة. وهي تعني أن المجتمعات البشريّة التي غالبًا ما تتأثر بالنزعات الشهوية والغضبية لحكامها تتبلور بطريقة تتضاءل فيها الفضائل، وتسود فيها الرذائل.

رسالة البعثة: كبحُ القوى الشهوية والغضبية
ولقد ساد نطاق واسع من الضلال والانحراف في حياة شعوب الجاهليّة: فمن جانب جموح الشهوات النفسانية والجنسية وما إلى ذلك – ولكم أن تلاحظوا بيئة الجزيرة العربية، وعلى غرارها سائر البيئات أيضًا، حيث كانوا غارقين في بحر الشهوات الجامحة، وكان يلجأ إلى الفجور والمجون كلّ من استطاع إلى ذلك سبيلا- ومن جانب آخر، فقد بلغ نفس هؤلاء المنقادين لشهواتهم، في مقام القسوة والتدمير وسفك الدماء، حدًّا لا يخطر على قلب بشر، حيث كانوا يقتلون أولادهم:﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِعِلْمٍ [الانعام/1400]. وهذا السفه هو تلك الجاهليّة نفسها. إذ قد بلغت القسوة بهم أن لا يرحموا حتى أولادهم فضلًا عن أولاد الآخرين وقتل الأبرياء من النساء والأطفال الأبرياء! هذه هي الجاهليّة: الشهوة من جانب والغضب من جانب آخر. وقد وقعت بيئة الحياة أسيرة بيد هاتين القوتين الجامحتين دون رادع. فجاء الإسلام لتغيير ذلك. وكانت هذه الأوضاع نفسها سائدة بالطبع في بلاط إيران الساسانية وبلاط الإمبراطورية الرومانية، وفي كل مكان تحكمه الإمبراطوريات والحكومات الجائرة والطاغوتية. وقد نهض الإسلام لمواجهة كلّ هذا الواقع البشع؛ ﴿لِلْعَالَمِينَ نَذِيرً [الفرقان/11]، حيث خاطب العالم بأجمعه في هذا الإنذار؛ هذه هي رسالة الإسلام.

جاهليّة معاصرة أخطر من الجاهلية الأولى
والجاهليّة لها وجودها في العالم المعاصر، وما علينا إلا أن نفتح أعيننا لنعرف الجاهليّة. فهذا المعنى نفسه موجود اليوم: الانغماس دون حدود في الشهوات دون أي رادع وأي منطق. والمنطق السائد اليوم في العالم الغربي هو “الرغبة” [الميل]. فإن سألتَهم: لماذا تروّجون للشذوذ الجنسي؟ لأجابوا: هذه هي ميول بشرية. هذا هو منطقهم! وإنّ هؤلاء الذين لا يرعوون ويمضون قدمًا في الانغماس في الشهوات، ولا يقفون عند حدّ في ممارسة الشهوات الجنسية والنزوات البشرية المختلفة، عندما يصل الأمر إلى قسوة القلب تراهم يتصرّفون بنفس الطريقة، حيث يقتلون الناس، ويريقون دماء الأبرياء، ويقمعون الشعوب دون أيّ ذنب؛ هذه هي الجاهليّة [الحديثة] الموجودة اليوم؛ الجاهلية العصرية. والفرق بينها وبين الجاهليّة في الصدر الأول ـ الجاهليّة الأولى على حدّ التعبير القرآني ـ هي أن الجاهليّة المعاصرة مسلّحة ومزوّدة بسلاح العلم والمعرفة. فهذا العلم الذي يسوق الإنسان إلى الفلاح والنجاح، أصبح أداةً لشقاء الإنسان وشقاء المجتمعات البشرية. وإن الذين يفرضون منطق القوة على العالم، إنما يفعلون ذلك مستندين إلى منتجات [منجزات] علومهم. فسلاحهم وأدواتهم الاستخباراتية والأمنية وأدواتهم الإعلامية الهائلة، إنما هي منتجات العلم، وقد وظّفوها بتمامها في خدمة الشهوة والغضب. هذه هي الأوضاع السائدة على العالم المعاصر. والمجتمع الإسلامي يواجه واقعًا من هذا النوع، وعلى العالم الإسلامي أن يتلمّسه ويدركه.

لقد أعيد اليوم إنتاج الجاهليّة [المعاصرة] بقدرة هائلة وخطر يفوق الجاهليّة الأولى في صدر الإسلام مئات بل آلاف المرات. علمًا بأن الإسلام أيضًا قد تجهّز اليوم واستعدّ والحمد لله. وقوة الإسلام الجبارة باتت تنتشر اليوم في أرجاء العالم مستخدمة صنوف الأدوات والتجهيزات. وهذا ممّا يبعث على الأمل في النجاح والتغلب على دسائس الأعداء وهو أمل كبير وليس بقليل. غير أن ما نحتاجه هو التحلي بـ”البصيرة” في الدرجة الأولى وبـ”العزيمة والهمة” في الدرجة الثانية.. هذا ما تحتاج إليه الشعوب المسلمة. (4).


(1) من كلمة للإمام الخامنئي في مسؤولي النظام بمناسبة المبعث النبوي الشريف بتاريخ
(2) من كلمة للإمام الخامنئي في مسؤولي النظام بمناسبة عيد المبعث النبوي السعيد بتاريخ 18/10/1998
(3) من كلمة للإمام الخامنئي في مسؤولي النظام بمناسبة المبعث النبوي الشريف بتاريخ 02/09/2005
(4) كلمة الإمام الخامنئي دام ظله في مسؤولي الدولة والنظام الإسلامي وسفراء الدول الإسلامية بمناسبة يوم المبعث الشريف_16-05-2015

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى